شرف خان البدليسي
104
شرفنامه
جميع السلاح والعتاد والمراكب التي فيها ، ومائتي ألف دينار ذهب إليهم ، وأن يطلق سبيل مائة من أعيان أسراهم وخمسمائة من مجاهيلهم ، في نظير أن يسمح الكفار بخروج المسلمين من البلدة بأمان وسلام . ولقد تأثر السلطان من سماع هذا الكلام أيما تأثر ، وأنكر مثل هذا الصلح إنكارا بليغا ، وقد أمر عند ذلك باتفاق آراء التدبير والمشورة ، ترك حصار شقيف ، وأمر بتخريب عسقلان خشية أن يسبق الإفرنج فيستولون عليها ، ويستغلون الغنائم والأموال الكثيرة التي فيها لاسترداد القدس ، والاستيلاء عليها . فبادر الملك الأفضل من أنجال صلاح الدين وحاكم دمشق من قبله إلى القيام بهذه المهمة حيث أمر أهالي عسقلان كلهم بالجلاء والتفرق في سائر بلاد الشام ؛ مما أحزن الخاص والعام من أهالي البلدة المنكودة الحظ ، وشرعوا في بيع ما لا يمكن نقله من السلع بأثمان رخيصة جدا ، فكان يعرض للبيع ما يساوي عشرة دراهم بدرهم واحد وليس من يشتري ، وقد ورد ، في تاريخ مرآة الجنان « 1 » ، أن عسقلانيا باع اثنتي عشرة دجاجة بدرهم واحد ، وقس الباقي على ذلك . والخلاصة أن جمعا كثيرا من الأهالي والجنود اشتغل بتخريب هذه البلدة من 20 شعبان حتى غرة رمضان . ثم اشتعلوا فيها النار فأتت على بيوتها كلها ، كما فعلوا مثل ذلك في بلدة اللد ، وقلعة الرملة . وفي أثناء ذلك ورد الخبر من الملك العادل بأن الإفرنج راضون بعقد الصلح معهم إذا تركنا لهم البلاد الساحلية ؛ ويتعهدون بعدم التعرض لبلاد الإسلام بعد ذلك ، فوافق صلاح الدين على هذا العرض وأجاز للملك العادل عقد الصلح ، فعقدت معاهدة بين المسلمين والإفرنج على هذا الأساس ، وتأكدت بالمواثيق والإيمان الغلاظ ، وشرع التجار من الطرفين في التردد على الأسواق ، وعلى هذا سمح السلطان لنجله الملك الأفضل وجيشه بالعودة إلى بلادهم للراحة ، كما توجه هو بنفسه النفيسة إلى بيت المقدس ، وأقام به فترة . ثم توجه إلى دمشق عاصمة الملك فوصلها في اليوم السابع والعشرين من شوال سنة ( 588 ه - 1192 م ) وقد اجتمع بها جميع أنجاله مع سائر عماله وقواده في خدمته الشريفة مسرورين فرحين . وفي يوم الجمعة الموافق للخامس عشر من صفر سنة ( 589 ه - 1193 م ) ركب السلطان وخرج ليستقبل الحجاج بنفسه الكريمة ، فعاد من هذه المقابلة الكريمة محموما مصابا
--> ( 1 ) - للإمام اليافعي كما تقدم . المترجم